يناقش عالم النفس دانيال مارتسون فكرة تبدو بديهية في حياة البشر، وهي الاعتقاد بأن كل مجموعة ناجحة تحتاج إلى شخص يقف في القمة ويتولى القيادة. ويرى أن كثيرًا من النقاشات المتعلقة بالمساواة والسلطة تنطلق من افتراض مسبق مفاده أن وجود التسلسل الهرمي أمر ضروري، بينما يتركز الخلاف فقط حول هوية الشخص الذي ينبغي أن يشغل موقع القيادة.
ونشر موقع سايكولوجي توداي هذا التحليل موضحًا أن السؤال الأهم قد لا يكون: من يقود؟ بل هل نحتاج أصلًا إلى وجود شخص يفرض سلطته على الآخرين كي ينجح المجتمع أو الأسرة أو المؤسسة؟
المساواة لا تعني التشابه
يظهر هذا الافتراض بوضوح في النقاشات المرتبطة بالنوع الاجتماعي والعلاقات الإنسانية. فقد منحت مجتمعات كثيرة الرجال تاريخيًا سلطة أكبر من النساء، ثم سعت حركات لاحقة إلى تصحيح هذا الخلل. لكن الطرفين، في أحيان كثيرة، قبلا الفكرة نفسها؛ وهي أن شخصًا ما يجب أن يحتل موقع القيادة في النهاية.
ويشير الكاتب إلى أن مراجعة التاريخ الإنساني تكشف صورة أكثر تعقيدًا مما نتعلمه عادة. فالسردية التقليدية تقول إن المجتمعات بدأت متساوية وبسيطة، ثم تطورت تدريجيًا نحو أنظمة هرمية أكثر تنظيمًا ونجاحًا. غير أن الأدلة التاريخية والأثرية تشير إلى أن البشر جرّبوا أشكالًا متنوعة من التنظيم الاجتماعي، ونجحت بعض هذه الأشكال دون الاعتماد على هياكل صارمة للسلطة أو القيادة المركزية.
ولا تعني المساواة في تلك المجتمعات أن الجميع أدوات الأعمال نفسها أو امتلكوا المهارات ذاتها. بل وزعت الأدوار وفق القدرات والظروف والاهتمامات المختلفة. وتمثلت الفكرة الأساسية في منح قيمة متساوية للمساهمات المختلفة، بحيث لا يُنظر إلى مهمة معينة على أنها أكثر أهمية أو مكانة من غيرها لمجرد اختلاف طبيعتها.
دروس من التاريخ والطبيعة
يلفت الكاتب الانتباه إلى أن البشر يطبقون الافتراض نفسه عند تفسير سلوك الحيوانات. فكثيرًا ما تصف الثقافة الشعبية الأسد الذكر بأنه "ملك الغابة"، رغم أن الأسود لا تعيش في الغابات أصلًا، كما أن حياتها الاجتماعية لا تشبه أنظمة الحكم الملكية.
وتوضح الدراسات المتعلقة بسلوك الأسود أن الإناث والذكور يؤدون أدوارًا مختلفة داخل الجماعة. إذ تتولى الإناث جزءًا كبيرًا من مهام الصيد ورعاية الصغار والحفاظ على الروابط الاجتماعية، بينما يركز الذكور على حماية الإقليم والتصدي للذكور المنافسين. وتسهم هذه الوظائف المختلفة في نجاح المجموعة، لكنها لا تعني أن أحد الجنسين أكثر أهمية من الآخر.
ويؤكد الباحثون أن التعاون والمصلحة المشتركة يمثلان العنصر الحاسم في استقرار الجماعة، وليس الخضوع لسلطة مطلقة أو هيمنة طرف واحد. ومن هنا يبرز درس مهم يتجاوز عالم الحيوانات إلى العلاقات الإنسانية، وهو أن القوة لا تساوي الأهمية. فقد يمتلك شخص ما قوة جسدية أكبر أو قدرة أعلى على مواجهة تحديات معينة، لكن ذلك لا يمنحه قيمة إنسانية أعلى من الآخرين.
قيمة الإنسان لا تحددها السلطة
ينطبق هذا المبدأ على العلاقات اليومية داخل الأسرة والصداقة والعمل والعلاقات العاطفية. فكثير من النزاعات تنشأ عندما يربط الناس بين سلطة اتخاذ القرار وبين قيمة الشخص نفسه.
وقد يتولى أحد أفراد الأسرة إدارة الشؤون المالية، أو ينسق المواعيد، أو يقود الآخرين خلال الأزمات، لكن هذه المسؤوليات لا تجعله أكثر أهمية من بقية المشاركين في العلاقة. فكل فرد يقدم نوعًا مختلفًا من المساهمة التي تساعد المجموعة على الاستمرار والنجاح.
ويرى الكاتب أن السؤال الأكثر فائدة لا يتعلق بمن يملك السلطة أو من يجلس في موقع القيادة، بل بمدى شعور جميع الأطراف بالتقدير والاحترام. فعندما يشعر الأفراد بأن مساهماتهم معترف بها وتحظى بالتقدير، تتراجع حساسية الاختلاف في المسؤوليات وتتقلص الصراعات المرتبطة بالمكانة والنفوذ.
ويخلص المقال إلى أن المساواة الحقيقية لا تتطلب أن يؤدي الجميع المهام نفسها أو يمتلكوا القدرات ذاتها، بل تقتضي الاعتراف بأن الأدوار المختلفة يمكن أن تحمل القيمة نفسها. وتقدم لنا الطبيعة والتاريخ، وفق هذا المنظور، درسًا مهمًا مفاده أن نجاح المجتمعات والعلاقات يعتمد على التكامل والتعاون أكثر مما يعتمد على البحث الدائم عن شخص يتولى القيادة ويصدر الأوامر.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/comparatively-speaking/202606/why-do-we-assume-someone-must-be-in-charge

